إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الإجتهاد في التأريخ الإسلامي :

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإجتهاد في التأريخ الإسلامي :

    الإجتهاد في التأريخ الإسلامي :
    لقد تبين لنا في الفصل السابق مخالفة رجال الدين من اليهود والنصارى لنصوصهم المقدسة معرضين بذلك عن أقوال أنبيائهم ورسلهم مجتهدين بعقولهم القاصرة عن إدراك العلل والأسباب الإلهية فلهم أن يقولوا وعلى الله أن يرضى . ولم يكن الأمر مقتصرا على اليهود والنصارى فقد اخبر الله رسوله الخاتم ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ بحال أمته وكيف ستركب سُنن السابقين وتجري على ما جرى عليه الضالين من اليهود والنصارى إلا ما رحم الله برحمته وقد بينا فيما سبق قوله تعالى في سورة الإنشقاق : ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ ﴾﴿ ﴾ . وجاء معنى هذه الآية وتبيانها عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ : ﴿والذي نفسي بيده لتركبن سُنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ، حتى لا تخطؤون طريقهم ، ولا يخطئكم سُنة بني إسرائيل﴾﴿ ﴾
    وقد بينا بأن الأئمة ﴿عليهم السلام﴾ قد أكدوا حديث الرسول المأثور الدال على حتمية وقوع سُنن السابقين في أمة محمد ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليم﴾ ولو بالمعنى التأويلي فلا يمكن على سبيل المثال أن يتخذ المسلمون عجلا على مثال ذلك العجل الذي اتخذه السامري في غيبة موسى ﴿عليه السلام﴾ فقد ذكر رسول الله ﴿صلى الله عليه وآل وسلم تسليما﴾ هذه الأمة بأنها ستتخذ أكثر من عجل بعد رحيله وذلك في قوله لعلي ﴿عليه السلام﴾ : ﴿ يا علي إن أصحاب موسى اتخذوا بعده عجلا فخالفوا خليفته ، وستتخذ أمتي بعدي عجلا ثم عجلا ، ثم عجلا ، ويخالفونك ، وأنت خليفتي على هؤلاء ، يضاهؤن أولئك في إتخاذهم العجل ، ألا فمن وافقك وأطاعك فهو معنا في الرفيق الأعلى، ومن اتخذ بعدي العجل وخالفك ولم يتب فأولئك مع الذين اتخذوا العجل زمان موسى : ولم يتوبوا في نار جهنم خالدين مخلدين﴾﴿ ﴾ .
    ومن هذا الحديث الشريف يتضح لنا وجود العجل بل أكثر من عجل في هذه الأمة وهذه السُنة جرت بعد رحيل النبي الخاتم ﴿صلى الله عليه وآل وسلم تسليما﴾ وهي مستمرة إلى يومنا هذا بل أن اليهود أتخذوا عجلاً واحداً إلا أن المسلمون أتخذوا عجلا ثم عجلا ثم عجلا .
    إن سُنة تغيير الأحكام والعقائد والتلاعب بالكتاب والسُنة قد حصلت في أمة النبي الخاتم ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ وأما الكتاب فإنه قد مسته ايدي التحريف عن مواضعه -أي التفسير والتأويل الخاطئ- وخير شاهد على ذلك هو التفاسير المختلفة التي في أيدي المسلمين ككل فلا تكاد تجد من تفاسير المسلمين ما يتشابه في الطرح وكأنهم أجمعوا على الاختلاف في التفسير ولا يخفى على من اطلع فإن الاختلاف في التفسير يؤدي وبلا كلام إلى استنباط أحكاماً مختلفة فكم من حكم يفسر بالكتاب فيقابله تفسير يخالفه في المعنى كمسألة الوضوء فمنهم من قال بالغسل ومنهم من قال بالمسح وكذلك الصوم وغيرها من الأحكام .
    ولم يقتصر الأمر على الاختلاف في التفسير للكتاب أو السُنة بل تعدى ذلك إلى القول في قبال الكتاب والسُنة كما هو الحال في سهم المؤلفة قلوبهم فقد ذكر الكتاب الكريم في قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَأبن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴿ ﴾ .
    فبالرغم من صراحة النص في سهم المؤلفة قلوبهم وكما انه لا يزال نصاً ثابتاً غير منسوخ إلا إننا نجد الخليفة الأول وبدعم من الخليفة الثاني خالفوا النص القرآني وأفتوا على خلافه فقد روى أنه لما قبض رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ جاءوا – أي المؤلفة قلوبهم - إلى الخليفة الأول واستبدلوا الخط منه لسهامهم فبدل لهم الخط ثم جائوا إلى عمر بن الخطاب وأخبروه بذلك فاخذ الخط من أيديهم ومزقه وقال : إن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام فأما اليوم فقد أعز الله دينه فإن ثبتم على الإسلام وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف فانصرفوا إلى الخليفة الأول فأخبروه بما صنع عمر وقالوا أنت الخليفة أم هو ؟ فقال إن شاء الله هو ولم ينكر قوله وفعله﴿ ﴾ .
    وكذلك الحال في الخمس فقد خالف المسلمون - إلا ما رحم ربي- النص القرآني في اسهم الخمس فقد ذكر الكتاب الكريم الخمس وقسمه إلى ستة اسهم في قوله تعالى : ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فإن لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأبن السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾﴿ ﴾ .
    وقد أجمع المسلمون كافة على أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه ، وأنه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه الله إليه، واختار الله له الرفيق الأعلى . فلما ولى الخليفة الأول أسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموت النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم قال الزمخشري : ﴿وعن أبن عباس : الخمس على ستة أسهم : لله ولرسوله ، سهمان ، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة ، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء قال : وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس﴾﴿ ﴾ .
    وقد أرسلت فاطمة الزهراء ﴿عليها السلام﴾ تسأله ميراثها من رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى الخليفة الأول أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها . الحديث﴿ ﴾ .
    وعلى هذا فإن الكثير من أئمة المذاهب أخذوا برأي الخليفتين ولم يجعلوا لذي القربى نصيبا من الخمس خاصا بهم .
    فأما مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوضا إلى رأي الإمام – أي الخليفة أو الرئيس - يجعله حيث يشاء في مصالح المسلمين، لا حق فيه لذي قربى ولا ليتيم ولا لمسكين ولا لأبن سبيل مطلقا .
    وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ سهمه وسهم ذي قرباه، وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وأبن السبيل على السواء، لا فرق عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين . والشافعي جعله خمسة أسهم : سهما لرسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع ونحو ذلك وسهما لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل يقسم بينهم ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، والباقي للفرق الثلاث : اليتامى والمساكين وأبن السبيل مطلقا﴿ ﴾ .
    وكذلك الحال في مانعي الزكاة فقد اختلف القوم بعد رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ فيهم حتى افتى الخليفة الأول بقتالهم مع أن النص النبوي الشريف موجود بحرمة قتال أهل الشهادتين من المسلمين فقد روى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة قال : ﴿ لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت انه الحق﴾﴿ ﴾ .
    فلا يخفى إجتهاد الخليفة الأول هذا في قبال النص النبوي وهذه المخالفة ليست عن جهل بل عن علم ونلاحظ ذلك في تذكير عمر بن الخطاب للخليفة الأول بقول رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ فلم يبالي الخليفة لقول النبي واصر على قوله مع وجود النص والذي نقله جملة من رجال الحديث عن غير واحد فقد نقل البخاري في صحيحة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ : ﴿ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا له الا الله فمن قال لا إله الا الله فقد عصم منى نفسه وماله الا بحقه وحسابه على الله﴾﴿ ﴾ .
    ولم يكتفِ الخليفة الأول بمخالفة النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ بل راح يحرق ما كتبه من أحاديث النبي الخاتم ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ التي جمعها أيام خلافته حيث جمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيراً، قالت عائشة : فغمني تقلبه، فلما أصبح قال لي : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها﴿ ﴾ .
    مع أن النبي ﴿صلى الله عليه وآل وسلم تسليما﴾ قد حث الأمة على تبيلغ الرسالة وأن يبلغ الحاضر الغائب كما حث على تدوين الحديث وإيصاله للناس وعد لناقل الحديث الأجر ما بقي ذلك الحديث فقد جاء في مسند أحمد قال ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ : ﴿ألا إن ربي داعي ، وإنه سائلي هل بلغت عبادي ؟ وأنا قائل له : رب قد بلغتهم . ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب﴾﴿ ﴾ . وأخرج الحاكم في تأريخه بالإسناد إلى أبي بكر عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ وهذا هو عجب العجاب قوله : ﴿من كتب علي علماً أو حديثاً لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث﴾﴿ ﴾ .
    لم يتوقف الإجتهاد عند هذا الحد فحسب بل استمر لينال تغير العديد من الأوامر الإلهية التي بينها رسول رب العزة ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ وطال هذه المرة متعة الحج وقد نقل أهل الحديث ومن جميع المذاهب بأن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ قد عملها وذكرها الكتاب الكريم في قوله تعالى : ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾﴿ ﴾
    إن الخليفة الثاني لم يبق حال المتعة في الحج كما كانت حتى بدل حكمها وهو يعلم بانها كانت على زمن النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ فقد روى أحمد في مسنده عن أبي موسى انه كان يفتي بالمتعة فقال له رجل : رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك حتى لقيه بعد فسأله فقال عمر بن الخطاب قد علمت أن النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ قد فعله وأصحابه ولكني كرهت أن يظلوا بهن معرسين في الأراك ثم يروحون بالحج تقطر رؤسهم﴿ ﴾ .
    وعن أبي نضرة قال : كان أبن عباس يأمر بالمتعة وكان أبن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال : على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ فلما قام عمر قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وأن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة ﴿ ﴾ .
    ولم يكن أمر الخليفة الثاني يوافق النص وهو عالم بمخالفته إلا أن الحال قد استمر عندهم وقد نصحهم أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب ﴿عليه السلام﴾ إلا إنهم لم يأخذوا بقوله فقد روي عن سعيد بن المسيب ، قال : ﴿اجتمع علي وعثمان بعسفإن ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة . فقال له علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله تنهى عنه ؟ فقال عثمان : دعنا منك . فقال علي : إني لا أستطيع أن أدعك . . . ﴾﴿ ﴾
    وأستمر الإجتهاد عند الصحابة حتى كثر القيل والقال في أمر متعة النساء مع اقرارهم بأن الكتاب الكريم قد ذكرها في قوله تعالى : ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾﴿ ﴾ . إلا إنهم قد نهوا الناس عنها فقد جاء عن أبي نضرة عن جابر قال : ﴿متعتان كانتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنهانا عنهما عمر رضى الله تعالى عنه فانتهينا﴾﴿ ﴾ . وجاء عن جابر عن عمر بن الخطاب : ﴿ أنه خطب الناس فقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ وأنا أنهي عنهما أو أعاقب عليهما﴾﴿ ﴾ .
    ولا يخفى الشدة في القول في قبال قول النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ بل وتذكير الأمة بأن المتعتان كانتا على زمن النبي وانا انهي عنهما والمسلمون يعلمون بأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ويعلمون أيضاً بتأكيد الكتاب على الأخذ بقول الرسول ﴿صلى الله عليه وآل وسلم تسليما﴾ في قوله تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴿ ﴾ .
    ولم يسلم الأذان من التلاعب والتصرف فيه أيضاً فقد جاء عن مالك ، أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم . فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح﴿ ﴾ .
    لم يتوقف الأمر على الزيادة في الأذان بل راحوا يقطعون منه ما كان في زمان النبي الخاتم ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ فقد ورد عن الخليفة الثاني أنه قال : ﴿ أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهن ، وأحرمهن ، وأعاقب عليهن : متعة الحج ، ومتعة النساء ، وحي على خير العمل ﴾﴿ ﴾ .
    إن الصحابة اختلف موقفهم في مخالفة الأحكام الشرعية فتارة كان الجهل سبباً للمخالفة كما هو الحال في إفتاء الخليفة الثاني بعدم الصلاة في حال عدم توفر الماء جهلا منه بقوله تعالى : ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾﴿ ﴾ . فقد ورد في صحيح مسلم عن أبن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه انه قال : ﴿ إن رجلا اتى عمر فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار اما تذكر يا أمير المؤمنين أذانا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل واما انا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك ان تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم احدث به﴾﴿ ﴾ .
    إن هذه الحادثة تدلنا على وجود ظاهرة الجهل عند كبار الصحابة ولم يكن جهلا عادياً بل انه جهل بكتاب الله وسُنة نبيه بل وإنكار لمن يذكرهم بفعل النبي وان كانوا حاضرين في مجلس النبي وسامعين لقوله وبيانه لأحكام الله .
    ومن الشواهد الأخرى لظاهرة الجهل هو جهل الخليفة الثاني لحكم السهو في الصلاة وسؤاله لأبن عباس عن الحكم فقد نقل أبن حنبل في مسندة عن أبن عباس أنه قال له عمر : ﴿ يا غلام هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع قال فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال فيم أنتما فقال عمر سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ما ذا يصنع فقال عبد الرحمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين﴾﴿ ﴾ .
    إن مسألة التشريع ليست من المسائل السهلة التي يستطيع الإنسان فعلها وإذا كان الأمر كذلك لما بعث الأنبياء والمرسلين ولأكتفى الإنسان بعقله كمشرع ينجيه من العقاب إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة إذ أن العبد لا مجال له إلا طاعة الخالق والإنقياد لأوامره التي نطق بها الأنبياء والمرسلون حتى لا يصبح التشريع أداة تتقلب بين أفواه الناس كما يحبون وكما قرأنا قبل قليل .
    إن من أصعب المسائل هو علم المتحدث بقول الله أو قول نبيه ثم يفتي على خلاف ذلك العلم كما حدث بالفعل .
    إن مسألة الإجتهاد مع وجود النص سواءً من الكتاب أو سُنة النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم تسليما﴾ لم تحصر في نطاق الصحابة فقط بل أمتد الأمر وصولا للتابعين ثم إلى الفقهاء من أئمة المذاهب الاربعة وقبل الدخول إلى معرفة الإجتهاد عند فقهاء المذاهب الاربعة لا بد لنا أن نذكر تعريف الإجتهاد عندهم من حيث المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي .
    التعديل الأخير تم بواسطة ناطق سعيد; الساعة 11-02-13, 02:42 PM.
    اَيْنَ بابُ اللهِ الَّذى مِنْهُ يُؤْتى
يعمل...
X