إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

خصائص الكوفة وموقعها الجغرافي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • خصائص الكوفة وموقعها الجغرافي

    خصائص الكوفة وموقعها الجغرافي


    من كتاب
    مكة المهدي (ع) في عصر الظهور الشريف

    من فكر السيد ابو عبد الله الحسين القحطاني


    المبحث الأول : تسميتها وموقعها الجغرافي


    لا يخفى على الجميع إن وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وقضيته تمثل إرادة السماء والعدالة الإلهية في الكون فأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق سماءً مبنية ولا أرضاً مدحية ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلكاً يسري إلا لمحبة أهل الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين) .
    فبهم يأخذ ويعطي وبهم يعاقب ويثيب وبهم تتجسد مظاهر العبودية لله سبحانه وتعالى ، فهم عليهم السلام اصدق مظهر لتلك العبودية حيث عبدوا الله وقدسوه وسبحوا له وهم أشباح نورانية .
    وقد جعلهم الله خلفاء في أرضه ، وتلك الخلافة التي أرادها الله سبحانه وتعالى حسب قوله تعالى { ِإنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }( البقرة (30) ) ، لم تتحقق مظاهرها ولن تتحقق إلا في دولة العدل الإلهي وهي دولة الإمام المهدي (عليه السلام) .
    الذي سيكون دوره إظهار التأويل الكامل للرسالة المحمدية الأصيلة ونشرها في العالم بأسره انطلاقا من قوله تعالى { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }(التوبة (33) ) .
    ذلك الدين الذي أراده الله عز وجل للإنسانية جمعاء مصداقا لقوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ }( آل عمران (19) .) ، ومن خلاله تتجلى مظاهر العبودية له جل وعلا .
    ولما كان لكل شيء ظاهر وباطن وظاهر الرسالة الإسلامية التي تتمثل بمرحلة التنزيل هو الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أما باطن تلك الرسالة والمتمثلة بمرحلة التأويل فهو الإمام علي (عليه السلام) ، وذلك مصداقاً لقول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قاتل قريش على التنزيل أما الإمام علي (عليه السلام) فسيقاتلهم على التأويل .
    وهنا تظهر الحكمة الإلهية من اتخاذ الإمام علي (عليه السلام) الكوفة عاصمة له والتي ستصبح فيما بعد عاصمة الإمام المهدي (عليه السلام) .
    بما أن دعوة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) لها شبه بدعوة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) : ( إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله ...)(غيبة النعماني ، ص221 ) .
    وعن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال : ( يستأنف الداعي منا دعاءً جديداً كما دعا إليه رسول الله...)( بحار الأنوار ، ج8 ، ص12 ) .
    فهذا يعني إن الكوفة تمثل مكة الإمام المهدي (عليه السلام) التي ستنطلق منها دعوته لنشر الدين الإسلامي في العالم بأسره ، كما كانت مكة منطلقاً لدعوة جده محمد (صلى الله عليه واله وسلم) .
    وكما هو معلوم ان مكة تحتل مركز الصدارة بين البلدان الإسلامية من حيث وجود الكعبة التي هي قبلة المسلمين في كل العالم ، وبما إن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يمثل الكعبة ظاهراً لذا ولد بظاهرها ، فإن للكعبة باطناً وهو المتمثل بالإمام علي (عليه السلام) لذا ولد في بطن الكعبة الشريفة .
    وهناك حكمة بالغة وأسرار عظيمة في ولادة الإمام علي (عليه السلام) واستشهاده ، كونه ولد في الكعبة التي هي بيت الله الحرام واستشهد في بيت من بيوت الله وهو مسجد الكوفة .
    فعليه الكوفة تمثل قبلة الشيعة في جميع أنحاء العالم من حيث وجود مرقد الإمام علي (عليه السلام) الذي هو باطن الكعبة ، من حيث أن الشيعة ترجع إليها لأخذ الأحكام الشرعية ، ومنها تكون انطلاقة دعوة إمامهم الثاني عشر المهدي الموعود (عجل الله فرجه الشريف) .
    ( ولا نعني بذلك أنها القبلة التي يتوجه إليها المسلمون بالصلاة والحج وما إلى ذلك ) .
    وعلى هذا الأساس فإن الكوفة تقابل مكة من حيث دورها في نشر الرسالة الإسلامية الخاتمة لكل الأديان السماوية .
    وهنالك جملة من الأدلة على ذلك سوف نقوم باستعراضها كالآتي:

    1ـ تسميتها :
    توجد عدة أوجه للشبه من حيث التسمية بين اسمي الكوفة ومكة . ومن المعلوم إن لمكة عدة أسماء منها بكة وأم القرى وأم رحم والباسة وان لكل من هذه الأسماء ارتباط بمعنى اسم الكوفة الذي ينطوي على جميع معاني تلك الأسماء .
    ولنأتي أولاً إلى بكة وهو من أسمائها التي ذكرها الله القرآن في قوله تعالى :
    {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} ويعني الازدحام والتجمع والتراكم ، حيث جاء في المعاجم اللغوية عن معنى كلمة بكة :
    ( بَكَّه: زاحمه ، وتباك القوم : ازدحموا ، وتباك الشيء : تراكم)( المنجد ، ق1، ص45 ) .
    كما ورد إن أحد معاني الكوفة هو التجمع : ( قال قطرب : يقال القوم في كوفان أي أمر يجمعهم )( ياقوت ، ح4 ، ص491 ).
    وروي في اصل تسميتها بذلك : ( سميت بكة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً بالأيدي ) ( من لا يحضره الفقيه ،ح 2، ص194 ) ، وفي ذلك إشارة إلى ازدحام الناس فيها .
    وهي بذلك تشبه معنى الكوفة من حيث إنها مكان تجمع الناس وتراكم بعضهم على بعض أي ازدحامهم ، وقد روي في المصادر : ( سميت الكوفة كوفة لاجتماع الناس بها ، من قولهم تكوف الرجل ... يتكوف تكوفاً إذا ركب بعضه بعضاً )( معجم البلدان ، ح4 ، ص490 ) .
    ولا غرو أن يكون معنى الكوفة اجتماع الناس بها كونها محل تجمع الشيعة ومهوى نفوسهم سواء أكان داخل الكوفة أم خارجها ، لأنها من مقدسات الشيعة التي يقصدونها من اجل زيارة سيد الأوصياء علي (عليه السلام) .
    وأشارت الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام إلى هذا المعنى كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الكوفة : (هذه مدينتنا ومحلنا ومقر شيعتنا...)(بحار الأنوار ، ج57 ، ص210 ) ، وغيرها من الروايات التي أكدت على تجمع المؤمنين فيها في آخر الزمان هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن الكوفة هي محل تجمع أرواح المؤمنين من كل العالم كما سيأتينا لاحقاً (مستدرك الوسائل ، ج2 ، ص264 ؛ بحار الأنوار ، ج97 ، ص385 ؛ إرشاد القلوب ، ج2 ، ص440-441 ) .
    هذا وقد أشار الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) إلى تجمع المؤمنين في الكوفة بقوله : ( أما انه ليس بلد من البلدان أكثر محباً لنا من أهل الكوفة ثم هذه العصابة خاصة إن الله هو هداكم إلى أمر جهله الناس أحببتمونا وابغضنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا )( بحار الأنوار ، ج57 ، ص222 ) .
    وهذا الأمر الذي يجتمع عليه المؤمنون من الناس فيما هو ولاية الإمام علي (عليه السلام) والأئمة المعصومين من بعده والتي هي كمال الدين الذي يريده الله بعد الإقرار بالربوبية لله والنبوة لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
    وقد حث الأئمة (عليهم السلام) على سكنى الكوفة حيث جاء عن سعد بن الإصبع عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : ( من كان له دار في الكوفة فليتمسك بها )( بحار الأنوار ، ج7 ، ص262 ).
    أما وجه الشبه الثاني بين الكوفة وبكة فهو بكاء الناس عندهما.فقد ورد في بيان معنى بكة : ( إنما سميت بكة لبكاء الناس حولها وفيها )(من لا يحضره الفقيه ، ج1 ، ص228 ) .

    وهذا ينطبق على الكوفة فمن ذا يأتي إلى ضريح مولى الموحدين الإمام علي (عليه السلام) ولا يُبَلُّ بدموع عينيه ، فما بين طالب للمغفرة والرحمة من الله سبحانه وتعالى وهو مستجيرٌ بأمير المؤمنين (عليه السلام) .


    ومن ذلك قول الشاعر(إرشاد القلوب ، ج4 ، ص440 ) :
    إذا متُ فادفني إلى جنب حيدر
    أبي شبر أكرم به وشبيــر
    فلست أخاف النار عند جواره
    ولا اتقي من منكر ونكيـر
    وبين متضرع إلى الله تعالى لقضاء حوائجه بحقه (عليه السلام) ، وقد ورد في ذلك الكثير من الروايات عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) والتي تؤكد أن مرقده (عليه السلام) هو مكان لقضاء حوائج المؤمنين .
    كما أشارت الروايات إلى شدة بكاء الشيعة في الكوفة عند قيام الإمام المهدي (عليه السلام) ومجيئه إلى مسجدها إلى درجة إنهم لا يفهمون كلمة مما يقول( بحار الأنوار ج52 ص330 ؛ تهذيب الأحكام ج6 ص34 ؛ أعلام الورى ص460 ؛ غيبة الطوسي ص468 ؛منتخب الأنوار ص491 ) .
    أما وجه الشبه الثالث بين الكوفة وبكة من حيث إنها تمزق الجبارين والكافرين .
    فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه سأل عن سبب تسميتها ببكة : ( لماذا سميت بكة ، قال : لأنها بكت عيون الجبارين والمذنبين )( بحار الأنوار ، ج54 ، ص337 ) .
    وبكة في اللغة هي من بك الشيء ، أي خرقه وفسخه . ومن الواضح ان مكة تبك عيون الجبارين والمذنبين ، وهذا بعينه ما سوف تقوم به الكوفة كونها تبك عيون الكافرين والجبارين والمنافقين في العالم .
    وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) إن الكوفة مهلكة للجبارين حيث قال : ( واني لأعلم انه ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل ) ( مستدرك الوسائل ، ج10 ، ص203 ) .
    وهذا بعينه ما سيتحقق عند قيام الإمام المهدي عليه السلام حيث تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ( بحار الأنوارج51 ص47 الملاحم والفتن ص96 المنجد ق1 ص45 ) .
    والاسم الثاني لمكة هو أم القرى ، وقد سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عنها : ( لم سميت مكة أم القرى ؟ .
    قال (عليه السلام) : لأن الأرض دحيت من تحتها ، وسأل عن أول بقعة بسطت من الأرض أيام الطوفان ؟ ، قال له (عليه السلام) : موضع مكة وكانت زبرجده خضراء )( الصدر نفسه ، ج54 ، ص337 ).
    وأول وجه للشبه بين الكوفة وأم القرى هو الانبساط لان أول ارض بسطت أيام الطوفان هي مكة ويفهم من هذا النص إن مكة كانت مرتفعة ثم بسطت .
    علما أن تسمية مكة تحديداً تعني الانبساط أيضاً حيث سئل الإمام علي (عليه السلام) لما سميت مكة بهذا الاسم قال : ( لأن الله مكّ الأرض من تحتها أي دحاها )( المصدر نفسه ، ج54 ، ص64 ) .
    وهي بذلك تشابه الكوفة حيث تشير الروايات إن الغري كان جبلاً إلا إن الله فتته إلى رمل أي بسطه حيث ورد عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال :
    ( النجف كان جبلاً ، وهو الذي قال ابن نوح سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ، ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه فأوحى الله عز وجل إليه يا جبل أيعتصم بك مني فتقطع قِطعاً قِطعاً إلى بلاد الشام وصار رملاً دقيقاً ) (بحار الأنوار ، ج97 ، ص226 ) .
    ويمكن إضافة بُعدٍ آخر للتشابه بين الكوفة ومكة من ناحية كونها أم القرى . فكما أن مكة هي أم القرى والبلدان الإسلامية كافة ، فان الكوفة هي أم القرى والبلدان الإسلامية وبخاصة الشيعية من حيث كونها تعد منبع التشيع في العالم .
    كما ورد في تسمية مكة إنها الباسّة وأم رحم حيث جاء في الخبر :
    ( روي أن أسماء مكة إنها مكة وبكة وأم القرى وأم رحم والباسّة ، كانوا إذا ظلموا بستهم أي أهلكتهم وكانوا إذا ظُلموا رُحِموا ) ( الفقيه ، ج2 ، ص257 ).
    فالكوفة هنا تقابل مكة من حيث نزول البلاء والرحمة الإلهية عليهما . ومن ناحية البلاء ثبت هذا المعنى للكوفة فقد جاء في تسميتها :
    ( يقال هم في كوفان أي في بلاء وشر ) (ياقوت ، ج4 ، ص491 ) .
    كما أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى حال الكوفة ونزول البلاء فيها بقوله : ( كأني بك يا كوفة تميدين ميد الأديم العكاظي ، تعركين بالنوازل وتركبين الزلازل...) ( مستدرك الوسائل ، ج10 ، ص203 ) .
    ولما كانت الكوفة تعاني من طوفان البلاء والفتن الذي يهلك فيه المنحرفون عن خط أهل البيت (عليهم السلام) إلا إنها ستتكامل بالإمام المهدي (عليه السلام) وظهور دعوته على يد وزيره اليماني الموعود .
    أما بالنسبة إلى نزول الرحمة في الكوفة فقد أشارت النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إن الكوفة هي محل نزول الرحمة على العباد ، ومنها ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال :
    ( ويحك يا كوفة ما أطيبك وأطيب ريحك ... الخارج منك بذنب والداخل فيك برحمة) (المصدر نفسه ، ج7 ، ص264 ) .
    ولا غرابة في أن تكون الكوفة محط الرحمة الإلهية لارتباطها بأمير المؤمنين (عليه السلام) ووجود قبره الشريف في ظهرها ، لان أهل البيت (عليهم السلام) عموماً هم الرحمة المنزلة من الله سبحانه وتعالى على عباده لقوله تعالى واصفاً رسوله الكريم محمد (صلى الله عليه واله وسلم) {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}( الأنبياء (107) ) . والإمام علي (عليه السلام) هو نفس الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) هذا من جهة .
    ومن جهة أخرى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو رحمة للعالمين فقد ورد في تأويل بسم الله الرحمن الرحيم إن الرحمن هي صيغة مبالغة في الرحمة وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) . كما ورد في تسمية مكة بأنها البلد الأمين وذلك في قوله تعالى : { وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ }( التين (2-3) ) .
    وهذا ما يصدق على الكوفة أيضاً كما سيأتي تفصيله لاحقاً .
    وأخيراً نود الإشارة إلى شيء مهم للغاية من حيث الشبه في التسمية بين الكوفة ومكة فعند حسابنا لاسمي كوفان وأم القرى حسب حروف الأبجد الصغير نجدها يطابق كل منهما رقم الأخرى وهو رقم (25) : ـ
    كوفان = ك+و+ف+أ+ن = 8+6+8+1+2=25
    أم القرى = أ+م+أ+ل+ق+ر+ى =
    1+4+1+6+4+8+1=25


    2ـ طبيعتها وموقعها الجغرافي :-
    إن موقع مكة وطبيعتها الجغرافية له شبهاً بموقع الكوفة وطبيعتها الجغرافية ، فكما هو معلوم إن كلاً من مكة والكوفة تقعان ضمن منطقة جغرافية يعبر عنها إنها قلب العالم ، أو قلب العالم القديم ، كما عبرت عن ذلك المصادر الجغرافية .
    وتقع الكوفة في وسط إقليم بابل ، كما يسمى قديماً والإقليم نفسه يقع في وسط العراق ، وهو ما يعرف اليوم بالفرات الأوسط ، والعراق هو الآخر يقع في الوسط ، ويمثل موقع القلب كما ورد في الروايات التاريخية( مروج الذهب ، ج1 ، ص19 وما بعدها ) .
    فالكوفة بالتالي تشبه مكة والكعبة تحديداً في هذه الصفة حيث جاء في الروايات الواردة عن الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم) قال :
    ( سميت الكعبة كعبة لأنها وسط الدنيا )(من لا يحضره الفقيه ، ج1 ، ص228 ) .
    وبذلك تكون هي قلب ومحور العالم ، والعلة في ذلك واضحة لأنها تمثل رمز الولاية ومكانها والمتمثلة بوجود شخص المعصوم (عليه السلام) ، إذ أن هو محور العالم وقطبه .
    ومن المعلوم إن القطب في الوسط والعالم كله يتمحور حوله ، وهذا ما انطبق على الإمام علياً (عليه السلام) أيام خلافته في الكوفة والتي مثلت الحكومة الإلهية المصغرة الممثلة لالتقاء مظهر النبوة والإمامة .
    من حيث إن الإمام علياً (عليه السلام) هو باطن النقطة التي هي مصدر الفيض الإلهي والمتمثلة بنور الله تعالى والتي ظاهرها الرسول محمد (صلى الله عليه اله وسلم) وهي بدورها تفيض على النقاط الأخرى المتمثلة بالزهراء (عليها السلام) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) .
    كما أن الإمام علي (عليه السلام) هو نفس الرسول محمد (صلى الله عليه آله وسلم) حيث جاء في القرآن الكريم :
    { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ }(آل عمران (61) ) .
    وهذا كله سوف يتجسد بشكل حقيقي بشخص الإمام المهدي (عليه السلام) وحكومته الإلهية الكبرى الممثلة لإرادة الله سبحانه وتعالى في الأرض وهو محور الكون كله ، حيث ورد في تفسير قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }( البقرة (37) ).
    عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال : قال علي بن الحسين (عليه السلام) : حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
    ( قال : يا عباد الله إن آدم لما رأى النور ولم يتبين ساطعاً من صلبه ، إذ كان تعالى قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره ، فرأى النور ولم يتبين الأشباح .
    فقال : يا رب ، ما هذه الأنوار ؟
    قال الله عز وجل : أنوار أشباح نقلتهم من اشرف بقاع عرشي إلى ظهرك ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك ، إذ كنت دعاء تلك الأشباح .
    فقال آدم (عليه السلام) : يا رب لو بينتها لي ؟
    فقال الله عز وجل : انظر يا آدم إلى ذروة العرش فنطبق فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبق وجه الإنسان في المرآة الصافية . فرأى أشباحنا .
    فقال :ما هذه الأشباح يا رب ؟
    قال الله تعالى : يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي و برياتي .... هذا محمد وأنا المحمود الحميد في أفعالي ، وهذا علي وأنا العلي وهذه فاطمة ، وأنا فاطر السماوات والأرض ، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل القضاء ، وفاطم أوليائي مما يعتريهم ويشينهم ، قشققت لها اسم من اسمي . وهذا الحسن والحسين ، وأنا المحسن المتجمل ، شققت اسمهما من اسمي . فهؤلاء خيار خليقتي ، وأكرم بريتي ، فتوسل بهم إلي يا آدم وإذا دهتك داهية فاجعلهم إليّ شفعاء فأني آليت على نفسي قسماً حقاً أن لا أخيب لهم أملا ولا أرد لهم سائلاً . فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله عز وجل بهم فتاب عليه وغفر له )( تفسير البرهان ، ج1 ، ص196 ) .



    يتبع لطفآ

  • #2
    وقد جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) إن كلام الله سبحانه وتعالى وجودي ، أي انه ( إذا تكلم أوجد) . واصل الوجود هو النور ، فكلمات الله نورانية .
    حيث جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ( إن الله إذا تكلم أوجد ) وهو مصداق قوله تعالى :
    { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }( يس (82) ) .
    إذاً فالوجود هو النور ، وأن أول عوالم النور هو النقطة ، وهي مصدر الفيض الإلهي ، وهو السبب في وجود هذه الكلمات الخمسة النورانية (أشباح الخمسة أهل الكساء) وهي السبب في إيجاد الكلمات التسعة كما سيأتي بعد قليل ، وهم الأئمة من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) .
    ونحن نعلم كما جاء في الروايات إن البقعة التي سجد فيها الملائكة لآدم وذلك عندما نقلت هذه الأنوار إلى ظهره في عالم الذر هي الكوفة . فهذا يعني إن الكوفة أصبحت بمثابة قلب العالم ومحوره بوجود شخص المعصوم (عليه السلام) فيها .
    ولو جئنا إلى هاتين المدينتين لوجدنا إن كلاً منهما تقعان في وادي تحيط به الجبال ، فمكة تحيطها جبال من جهاتها الأربع ، وكذلك الكوفة ، فأن الروايات تشير إلى إن الغري كُلِّه كان جبلاً كما اشرنا إلى ذلك سابقاً وعبر عنه القران الكريم بالطور والذي يعني لغة الجبل في قوله تعالى :
    { وطور سينين وهذا البلد الأمين } إشارة إلى ارتفاعه( بحار الأنوار ، ج96 ، ص226 ؛ المنجد ، ق1 ، ص475 ) .
    كما نجد إن مكة ذات طبيعة صحراوية رملية قليلة الزرع وقليلة المياه وتعتمد في مياهها على الآبار ، وخير شاهد على ذلك قول الله سبحانه وتعالى في قضية نبي الله إبراهيم (عليه السلام) :
    { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }(إبراهيم (37) ) .
    وهذا الأمر ينطبق على الكوفة ، التي ورد في تسميتها إنها الرملة المستديرة الحمراء وطبيعة الكوفة كطبيعة مكة رملية ، وكذلك تقع في منطقة قليلة الزراعة .
    وموضع الشاهد هو قول غلام نبي الله إبراهيم (عليه السلام) له : ( ما تصنع بهذا الظهر ليس فيه زرع ولا ضرع )( بحار الأنوار ، ج97 ، ص226-227 ) .
    وقول أهل الكوفة لأمير المؤمنين (عليه السلام) : ( يا أمير المؤمنين تشتري هذا بهذا وليس ينبت حظاً )(المصدر نفسه ، ج97 ، ص231 ) ، ومن هنا نعلم إن الكوفة تشابه مكة في هذا الجانب .
    والنقطة المهمة الأخرى إن كلاً من الكوفة ومكة هما محط رحال أهل البيت (عليهم السلام) ومهوى أفئدة الموالين لهم وهو قول إبراهيم (عليه السلام) عن أهله ودعائه الله لهم في قوله تعالى : {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}( إبراهيم (37) ) ، وتحقق دعوة إبراهيم (عليه السلام) ، وتشير الروايات إلى وصول ركب من أهل اليمن مروا بهم وقاموا بإطعامهم وسقيهم الماء( الكافي ، ج4 ، ص202 ) .
    وهذا المعنى تحقق لأهل البيت (عليهم السلام) عند نزولهم الكوفة أن جعل الله سبحانه وتعالى أفئدة الشيعة تهوي إليهم وتحن وتتعلق بهم ، ومصداق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في معرض حديثه عند زيارة الإمام علي (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) : ( وإن الله جعل قلوب نجباء خلقه وصفوته في عباده تحن إليكم وتتحمل المذلة والأذى فيكم فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرباً منهم إلى الله ومودة منهم إلى رسوله ) .
    بل إن الله سبحانه وتعالى جعل محبتهم ومودتهم هي الأجر على رسالة النبي صلى الله عليه واله فقد قال تعالى :
    {لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} ( الشورى (23) ) .
    وان لكل مسلم أمانة في عنقه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وديناً يجب الوفاء به ، فإن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حقاً على هذه الأمة بما جاء به من الرسالة وما تحمّل في سبيلها من أعباء .
    وهذا الحق حدده الله سبحانه وتعالى في الآية المشار إليها في أعلاه . مع العلم إن أهل البيت (عليهم السلام) في غنى عن مثل هذا الأجر وإنما شرع الله سبحانه وتعالى هذا الأجر منةً منهُ على عباده المؤمنين .
    وكذلك سيجعل الله قلوب المؤمنين تهوي على خاتم الأوصياء الإمام المهدي (عليه السلام) وتحن إليه وتجتمع إليه ، كما عُبر عن ذلك في الروايات إنها ستأوي إليه كما تأوي النحل ليعسوبها .
    وبعد إن تعرفنا على الكوفة وموقعها وطبيعتها الجغرافية نود الإشارة إلى شيء مهم للغاية وهو شراء الكوفة من قبل إبراهيم (عليه السلام) والإمام علي (عليه السلام) حيث جاء في النص عن أبي الجارود رفعه إلى الإمام علي (عليه السلام) إنه قال :
    ( إن إبراهيم (عليه السلام) مر ببانيقيا فكان يزلزل بها فبات بها فأصبح القوم ولم يزلزل بهم فقالوا ما هذا وليس حدث .
    قالوا : نزل ها هنا شيخ ومعه غلام له .
    فقالوا : فأتوه .
    فقالوا له : يا هذا انه كان يزلزل بنا كل ليلة ولم يزلزل بنا هذه الليلة فبت عندنا فبات ولم يزلزل بهم .
    فقالوا : أقم عندنا ونحن نجري عليك ما أحببت قال لا ، ولكن تبيعوني هذا الظهر ولا يزلزل بكم .
    قالوا فهو لك قال : لا أخذه إلا بالشرى قالوا فخذه بما شئت فاشتراه بسبع نعاج و أربعة أحمر فلذلك سمي بأنقياء لأن النعاج بالنبطية نقيا .
    قال : فقال له غلامه : يا خليل الرحمن ما تصنع بهذا الظهر ليس فيه زرع ولا ضرع .
    فقال له : اسكت فان الله عز وجل سيحشر من هذا الظهر سبعين ألفاً يدخلون ألجنة بغير حساب يشفع الرجل منهم لكذا وكذا )( بحار الأنوار ، ج9 ، ص226-227 ).
    أما عن شراء أمير المؤمنين (عليه السلام) لها نقلاً عن عقبة بن علقمة عن أبي الجنوب قال :
    ( اشترى أمير المؤمنين (عليه السلام) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة ، وفي حديث ما بين النجف والكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم واشهد على شرائه .
    فقيل له : يا أمير المؤمنين تشتري هذا بهذا المال وليس ينبت حظاً .
    فقال : سمعت رسول الله (صلى الله علي وآله وسلم) يقول : كوفان كوفان يرد أولها على آخرها سيحشر من ظهرها سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب فاشتهيت أن يحشروا من ملكي )( المصدر نفسه ، ج97 ، ص231 ) .
    ونلاحظ هنا إن شراء إبراهيم والإمام علي (عليهما السلام) للكوفة لم يكن محظ مصادفة ، فالأول يعد أبٌ للعرب والمسلمين وهو واضع لبنة التوحيد الأولى ومنه يتفرع خطا النبوة والإمامة .
    والثاني أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو أبو هذه الأمة كما صرح بذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال :
    ( يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة ) .
    وهذا كله يوجد نوعاً من الشبه بين الكوفة ومكة من حيث علاقتها بأهل البيت (عليهم السلام) ووراثتهم لكل منهما فمكة كما هو معلوم تعتبر جزءُ لا يتجزأ من الجزيرة العربية التي بدورها تعتبر ضمن حدود فدك الراجعة ملكيتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي انتقلت وراثتها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) وذريتها الطاهرة من بعدها .
    وهذا بعينه ما تمثله الكوفة هي الأخرى بالنسبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) من ذريته ووراثتهم لها بوصفه مشترياً لها كما ورد سابقاً ، هذا إلى جانب كون الكوفة تعتبر ضمن حدود فدك حالها حال مكة ( بحار الأنوار ، ج97 ، ص231 ) .
    وهذا يعني أن الوارث لكل منهما هو الإمام المهدي(عليه السلام) ، وهذا ما يطابق ما جاء في القرآن الكريم حول وراثته (مكن الله له في الأرض) بقوله تعالى : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}( القصص (5) ) .
    أما بالنسبة إلى علاقة كل من الكوفة ومكة بالنبي إبراهيم (عليه السلام) فتعود إلى أن كل منهما يمثل موطناً له (عليه السلام) أي انه جمع في سكناه بين موطن النبوة وموطن الإمامة ، فهو من جهة يمثل المشتري الأول للكوفة وهي مهد الإمامة التي تنتقل ملكيتها إلى ذريته من بعده والممثلة بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وانتهاءً بالإمام المهدي (عليه السلام) .
    ومن جهة أخرى فهو من قام برفع قواعد البيت الحرام الموجود في مكة ، وكما سيذكر لاحقاً ، والتي كانت موضعاً لسكنى ذريته الطاهرة ومهد نبوة خاتم الرسل والأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن كلتيهما ستبدأ وتنطلق مراحل دعوة وقيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ( الكافي ، ج4 ، ص201 وما بعدها ) .

    تعليق

    يعمل...
    X